|
جلسة 19-03-2024
الطعن رقم 269
لسنة 2024 تمييز مدني
المحكمة بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر والمرافعة وبعد المداولة.
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إنّ الوقائع - على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق - تتحصّل في أنّ الطّاعنة وآخرين من ورثة .... أقاموا الدعوى رقم .... لسنة 2022 بطلب إثبات صورية عقد بيع العقار رقم .... المؤرخ في ../../2019 وإعادته لوعاء التركة؛ وذلك على سندٍ من القول: إنّه بموجب كشف ملكيات مورّثهم الصادر بتاريخ ../../2022 من إدارة التسجيل العقاري بوزارة العدل تبيّن أنّ العقار رقم ..... الكائن بمنطقة .... مساحته .... قد تمّت هبته من المورّث لزوجته .... بتاريخ ../../2019 ثم أعادته له بتاريخ ../../2019 إلا أنّه وبذات السنة تمّ نقله إلى ملكيتها عن طريق البيع، وهو ما ينبئ بأنّ البيع صوري والعقد المستتر هو عقد هبة، وهو ما لا يجوز وفق نصّ المادة (204) من قانون الأسرة للمفاضلة بين زوجتيه الطاعنة .....، والمطعون ضدها ....؛ فأقاموا الدعوى. ندبت المحكمة خبيراً في الدعوى، وبعد أن أودع تقريره النهائي حكمت بإبطال عقد البيع موضوع الدعوى المؤرخ في ../ ../2019 وإعادته لوعاء التركة. استأنفت المطعون ضدها ..... هذا الحكم برقم .... لسنة 2023. وبتاريخ ../../2023 قضت المحكمة بإلغاء الحكم المستأنف، والقضاء مجدّدا برفض الدعوى. وإذ عُرض الطّعن على هذه المحكمة في غرفة المشورة؛ فحُدّدت جلسة لنظره.
وحيث إنّ حاصل ما تنعاه الطاعنة على الحكم المطعون فيه، مخالفة القانون، والخطأ في تطبيقه وتأويله، والفساد في الاستدلال، والقصور في التسبيب، ومخالفة الثابت بالأوراق، والإخلال بحق الدفاع؛ وفي بيان ذلك تقول: إنّ الحكم المطعون فيه أقام قضاءه برفض الدعوى على سندٍ من أنّ الثابت بالعقد موضوع النزاع أنّ المورّث قد تسلّم كامل ثمن المبيع بما لا يجوز إثبات ما يخالف ذلك إلا بالكتابة، رغم أنّ صورية التصرّف التي مبناها الاحتيال على القانون يجوز إثباتها بطرق الإثبات كافةً. وكان الثابت من تقرير الخبير المنتدب في الدعوى أنّ المورّث حرّر لزوجته المطعون ضدها الأولى عقد هبة للعقار موضوع النزاع التي عادت ووهبته له، إلا أنّه أعاد بيعه لها في ذات السنة، وأنّها قد أقرّت بدفعها جزءاً من الثمن وتنازله عن الباقي، وذلك بعد أن طلبت منه تحرير عقد بيع عوض الهبة؛ لتفادي المنازعة من الورثة؛ الأمر الذي يكون معه البيع في حقيقته ساتراً للهبة، الغاية منه تفضيل زوجته المطعون ضدها الأولى عن باقي زوجاته، والتحايل على قواعد وأحكام الميراث التي هي من النظام العام؛ ممّا يجوز إثبات ذلك بكافة طرق الإثبات، والمطالبه بإبطاله، إلا أنّ الحكم المطعون فيه قد خالف هذا النظر؛ ممّا يعيبه؛ بما يستوجب تمييزه.
وحيث إنّ هذا النعي سديد؛ ذلك أنّه ولئن كان من المقرّر – وفقاً لأحكام المواد (173 و174) من القانون المدني - أنّ إثبات صورية التصرّف بين المتعاقدين وورثتهم – الخلف العام - لا يكون إلا طبقاً للقواعد؛ فلا يجوز لهم إثبات صورية العقد الثابت بالكتابة بغير الكتابة على خلاف الغير والخلف الخاص الذين بإمكانهم إثبات الصورية بجميع الوسائل والطرق، إلا أنّه إذا كانت الصورية مبناها الاحتيال على القانون؛ فيجوز لمن كان الاحتيال موجّهاً ضدّ مصلحته أن يثبت العقد المستتر أو ينفي الثابت بالعقد الظاهر بكافة طرق الإثبات، وأنّ الصورية التدليسية التي تقوم على إخفاء الهبة وراء البيع تعدّ تحايلاً على القانون؛ بما يترتّب عليه بطلان العقد. وأنّه ولئن كان من المقرّر أنّه لا يجوز الإثبات بغير الكتابة فيما يخالف أو ما يجاوز ما اشتمل عليه دليل كتابي إلا أنّ ذلك مشروط ألا يكون القصد من الكتابة التحايل على أحكام القانون المتعلّقة بالنظام العام. إذ يجوز لمن كان الاحتيال موجّهاً ضد مصلحته أن يثبت التحايل بكافة طرق الإثبات القانونية، ولو خالف الثابت بالكتابة. وإذن فمتى كان عقد البيع الظاهر الصادر من المورث لأحد ورثته ثابتاً بالكتابة؛ فلا يجوز لهذا المورّث أن يثبت بغير الكتابة أنّ هذا البيع يخفي هبة، وأنّه قصد به الاحتيال على قواعد الإرث، وإنما يجوز ذلك للوارث الذي وقع عليه الاحتيال إضراراً بحقه في الميراث، وهو بذلك لا يستمدّ حقه في الطعن على العقد من مورّثه، وإنما يستمدّه من القانون مباشرة. والمقرّر – بقضاء هذه المحكمة - أنّه لو ثبتت صورية عقد البيع؛ فإنّه يكون باطلاً، ولا يترتّب عليه نقل ملكية المبيع إلى المشتري، ولو كان مسجلاً؛ إذ ليس من شأن التسجيل أن يصحح عقداً باطلاً. وأنّ النصّ في المادة (191 /1) من قانون الأسرة رقم (22) لسنة 2006 على أنّ: " الهبة هي تمليك بلا عوضٍ في حال حياة المالك..."، وفي المادة (204) على أنّه: " يجوز للمحكمة فسخ الهبة إذا فاضل الزوج بين زوجاته ....، ويمتنع الفسخ إذا كانت المفاضلة لسببٍ مقبول..."؛ يدلّ على أنّ الهبة تمليكُ مالٍ، أو حق مالي لآخر حال حياة المالك الواهب دون مقابلٍ، وأنّ العدل بين الزوجات في العطايا واجب. وإذا نشأ عن الهبة الصادرة من الزوج لإحدى زوجاته تفضيل بعضهنّ على بعضٍ؛ جاز للقاضي فسخها إذا كان هذا التفضيل لا يستند إلى سببٍ مقبول. لمّا كان ذلك، وكان الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه، وتقرير الخبير المنتدب بالدعوى أنّه تمّ تحرير عقد هبة في البداية، ثم أعيد تحرير عقد بيع في نفس السنة، وأقرّت المطعون ضدها .... أنّها لم تدفع كامل الثمن، وتنازل المورّث عن باقي الثمن، وكانت الغاية هي تخصيص الزوجة .... بالعقار موضوع النزاع دون بقية زوجات المورّث وقصد بها تمييزها في الميراث احتيالاً على قواعد الإرث بما يصحّ أن تستند الطاعنة في إثباتها للصورية إلى جميع الوسائل الممكنة. وقد انتهى الخبير المنتدب استناداً لأقوال المطعون ضدها .... أنّ الثمن لم يسبق دفعه بما يجعل البيع القائم يستر في حقيقته هبة، وأنّ في ذلك مفاضلة بين زوجات المورّث. وأجازت المادة (204) من قانون الأسرة طلب فسخها. وكان على الحكم المطعون فيه أن يأخذ بصورية العقد والمفاضلة بين الزوجات ويرتّب الأثر. وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر، وأقام قضاءه برفض الدعوى تأسيساً على ما هو ثابت بعقد البيع موضوع النزاع، بعد أن رفض قبول إثبات ما يخالفه على نحو ما ورد بتقرير الخبير المنتدب في الدعوى وبأقوال المطعون ضدها؛ فإنّه يكون معيباً بالخطأ في تطبيق القانون، والفساد في الاستدلال.
|