|
جلسة 23-01-2024
الطعن رقم 1435
لسنة 2023 تمييز مدني
المحكمة بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر والمرافعة وبعد المداولة.
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع - على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق - تتحصّل في أنّ الطّاعنين أقاموا على المطعون ضدّهم الدّعوى رقم .... لسنة 2022 تركات. بطلب إلزامهم بأن يؤدوا مبلغاً قدره .... ريال مع التعويض؛ على سندٍ من القول: إنّه بعد وفاة مورّثهم اتّفق الورثة جميعاً على تفويض ثلاثة من الورثة، وهم ....، ....، .....؛ لتسيير أمور وأعمال التركة إلى أن يتمّ توزيعها على الورثة بشرط توقيعهم مجتمعين على الشيكات الصادرة من حساب المورث الشخصي ببنك .....، وحساب الإيجارات بشركة .....، وذلك لتسيير أمور التركة، وإكمال تشييد العقارات التي كانت تحت الإنشاء، إلاّ أنّ المكلفين امتنعوا عن تنفيذ الاتّفاق، وتفادياً للأضرار الناتجة عن عدم توقيع الشيكات اضطر الطاعن الثالث بصفته مديراً ومخولاً بالتوقيع بالشركة الطاعنة الرابعة وبموافقة بقية الطاعنين إيجاد بدائل لذلك لتسيير أمور التركة؛ وذلك عن طريق مبالغ من الشركة الطاعنة الرابعة التي آلت بالملكية للطاعنين الثلاثة الأُوَل بعد استدخالها منهم بالدعوى رقم .... لسنة 2016، وترصّد بذمّة التركة مبلغ المطالبة إلاّ أنّه لم يتم خصم هذا المبلغ عند توزيع التركة بالدعوى المشار إليها أخيراً؛ فأقاموا الدّعوى. قضت المحكمة بالطّلبات. استأنف المطعون ضدهم هذا الحكم برقم .... لسنة 2023. وبتاريخ ../../ 2023 حكمت المحكمة بإلغاء الحكم المستأنف، والقضاء مجدداً برفض الدعوى. طعن الطاعنون في هذا الحكم بطريق التمييز. وإذ عُرض الطّعن على هذه المحكمة في غرفة المشورة؛ فحدّدت جلسة لنظره.
وحيث إنّ حاصل ما ينعاه الطاعنون على الحكم المطعون فيه، مخالفة القانون، والخطأ في تطبيقه، والقصور في التسبيب، والفساد في الاستدلال، ومخالفة الثابت بالأوراق، والتناقض بين الأسباب والمنطوق؛ وفي بيان ذلك يقولون: إنّ البيّن بأوراق الدعوى، وهو ما أثبته تقرير الخبير المنتدب، أنّ المديونية موضوع الطّلب كانت محمّلة على تركة مورث الخصوم، وهي حاصل ما دفعته شركة ..... - الطّاعنة الرابعة - من مال لتسيير أمور التركة لتفادي وقف أعمال الإنشاء في العقارات التابعة للمورّث بعد أن توقف المكلفون بالتسيير عن توقيع شيكات تسيير أمور التركة، ولم يرد هذا الدين بجرد ديون التركة، ولم يستوفِ الدائن حقه، بما من شأنه أن يجعل النزاع فيه من اختصاص دائرة التركات. إذ إنّ النزاع يدور حول حقوق دائني التركة حتى ولو سبق صدور حكم بتصفيتها، إلاّ أنّ المحكمة انتهت بأسباب حكمها بشرح غير سائغ إلى أنّ النزاع الماثل هو مجرّد نزاع بين أحياء، ولا علاقة له بالتركة، ولا يدخل في اختصاص دائرة التركات بحجّة أنه سبق تصفية التركة وتوزيعها بين الورثة بالحكم رقم .... لسنة 2021 الصادر بتاريخ ../../2022، وخالفت بذلك الثابت بالأوراق الذي جرّها لمخالفة القانون. وكان لزاماً - كنتيجة لذلك - أن تقضي بمنطوق حكمها بعدم اختصاصها بنظر الدعوى، إلا أنّها حكمت برفض الدعوى موضوعاً - بما يحمل ضمناً قضاءً باختصاصها - مع أنّه لم يسبق أن أتت بالأسباب ما يقوم دعامة لقضائها الموضوعي، وإنّ في ذلك تناقضاً واضحاً بين الأسباب والمنطوق؛ ممّا يعيبه، ويستوجب تمييزه.
وحيث إنّ هذا النعي غير منتج؛ ذلك أنّه من المقرّر - في قضاء هذه المحكمة - أنّ تركة المدين تعتبر منفصلة شرعاً عن أشخاص الورثة وأموالهم الخاصة، وأنّ ديون المورث تتعلّق بتركته، فلا تنتقل التزاماته إلى ذمّة الوارث لمجرد كونه وارثاً، ولا تتعلّق بها ذمّته، بسبب مغايرة شخصية الوارث لشخصية المورّث، ومن ثم تظلّ تركة المورّث منشغلة بحق عيني تبعي لدائنيه؛ يخوّلهم حق تتبعها لاستيفاء ديونهم منها، وهذه العينية – الواقعية - لحق دائني التركة تعني أنّهم يتقاضون ديونهم من التركة في حدود ما آل للورثة من أموالها، وقبل أن يؤول شيء منها إليهم، وبصرف النظر عن نصيب كل منهم فيه. والمؤدى في ذلك أنّ التّركة لا تنتقل إلى الورثة إلاّ خالصة من الدّيون، أي أنّ الحقوق تنتقل إلى الورثة، وتبقى الدّيون بتركة الميّت ولا تنتقل إلى الوارث، فلا تدخل بالذمّة الماليّة للوارث، ولا يستطيع الدائنون التنفيذ على أموال الوارث مطلقاً. فتبقى الذمّة الماليّة للمورّث مختلفة ومفرزة عن الذمّة الماليّة للوارث؛ ذلك أنّ الوراثة بالفقه الإسلامي هي وراثة مال وليست وراثة شخص. فلا تكون شخصيّة الوارث استمراراً لشخصيّة المورّث، فلا يأخذ عنه التزاماته، ولا تختلط أموال المورّث بأموال الوارث. ولا تخلص التّركة للوارث إلاّ بعد تجهيز الميّت ودفع حقوق الدّائنين وحقوق الموصى لهم. ولا يقتصر هذا التقدّم على الدين المنقول بموجب الوفاة بل يتعدّاه لجميع ديون التركة التي تنشأ بعد وفاة المورث وهو حاصل ما أنفق من مال لحفظ التركة وتسييرها إلى أن تؤول للورثة بعد التصفية. وكان النصّ بالمادة (981) من القانون المدني على أنّه: " لا يجوز من وقت قيد الأمر الصادر بتعيين المصفي أن يتّخذ الدائنون أيّ إجراء على التركة، كما لا يجوز لهم أن يستمروا في أيّ إجراء اتّخذوه، إلا في مواجهة المصفي، وكل توزيع فتح ضد المورّث ولم تقفل قائمته النهائية؛ يجب وقفه حتى تتم تسوية جميع ديون التركة متى طلب ذلك أحد ذوي الشأن ... "، والنصّ بالمادة (984) منه على أنه " على المصفي أن يوجه تكليفاً علنياً لدائني التركة ومدينيها يدعوهم فيه لأن يقدموا بياناً بما لهم من حقوق وما عليهم من ديون..."، والنصّ بالمادة (985) منه على أنّه: " على المصفي أن يودع قلم كتاب المحكمة، خلال ثلاثة أشهر من يوم تعيينه قائمة تبين ما للتركة وما عليها..."، والنصّ بالمادة (986) منه على أنّه: " للمصفي أن يستعين في الجرد وفي تقدير قيمة أموال التركة بخبير، أو بمن تكون له في ذلك دراية خاصة. ويجب على المصفي أن يثبت ما تكشف عنه أوراق المورّث، وما هو ثابت في السجلات العامة من حقوق وديون، وما يصل إلى علمه عنها من أيّ طريق كان، وعلى الورثة أن يبلغوا المصفي بما يعلمونه من ديون على التركة وحقوق لها..."، والنصّ بالمادة (988) منه على أنّ: " كل منازعة في صحة الجرد، وبخاصة ما كان متعلّقاً بإغفال أعيان أو حقوق للتركة أو عليها أو بإثباتها، ترفع إلى المحكمة بناء على طلب كل ذي شأن خلال الثلاثين يوماً التالية للإخطار بإيداع قائمة الجرد..."، والنصّ بالمادة (995) من نفس القانون على أنّ: " دائني التركة الذين لم يستوفوا حقوقهم لعدم ظهورها في قائمة الجرد ولم تكن لهم تأمينات على أموال التركة، لا يجوز لهم أن يرجعوا على من كسب بحسن نية حقاً عينياً على تلك الأموال، وإنما لهم الرجوع على الورثة بسبب إثرائهم..."؛ ممّا يدلّ على أنّ تصفية التركة توجب إتمام إجراءات وشكليات معيّنة لإعلان دائني التركة لتسجيل ما لهم من حقوق والمنازعة في صحة الجرد عند الاقتضاء. فإن تخلّف المصفي عن إتمام هذه الإعلانات والإخطارات أو تمّت ولم يعلم بها الدائنون فلم تظهر الديون التي لهم على التركة في قائمة الجرد ولم يستطيعوا المنازعة في القائمة لجهلهم بها إلى أن تنتهي التصفية؛ فإنّ المال الموروث يبقى في هذه الحالة بذمّة تركة المورّث مخصّصاً لسداد الديون أوّلاً، ولا يغلق باب التّداعي على الدّائن حتى ولو صدر حكم نهائي بتصفية التركة؛ إذ لا تركة إلاّ بعد سداد الديون، وبإمكانه قانوناً توجيه الدعوى على الورثة واختصامهم بحكم نيابتهم للتركة إذ إنّ التصفية لا تحمي الورثة من هذا الدائن ما دامت أعيان التركة باقية في أيديهم، فإذا رجع أحد منهم على العين للتركة في يد أحد الورثة ونفذ في حقه هذا العين رجع الوارث على الورثة الباقين كل بقدر حصته في الدين. وإذا انتقلت العين إلى الغير حسن النية؛ فإنّه لا يجوز تتبع أعيان التركة، وإنّما للدائنين الرجوع على الورثة بدعوى الإثراء بدون سبب. أما إذا علم الدّائن بإجراءات التصفية ولم يطلب تسجيل دينه بقائمة الجرد ولم ينازع فيها، وصدر حكم نهائي بتصفية التركة؛ فإنّ أعيان التركة تذهب للورثة صافية من أي دين، ويفقد الدّائن حقّ المطالبة بأي دين على التركة؛ إذ إنّ التصفية الجماعية تقطع السبيل على دائني التركة الذين علموا بالإجراءات ولم يتقدّموا في التصفية. والمقرّر أنّ ما يناط بدائرة التركات متعلّق بما يرتبط بالتركة من نزاعات بما يدلّ على أنّ تصفية التركة بين الورثة، وما للورثة عليها من حقوق في مواجهة الغير، أو ما كان للغير من حقوق عليها في مواجهة الورثة يكون من اختصاص دائرة التركات، وأنّ الاختصاص النوعي إنما ينسب في الأصل إلى المحكمة لا إلى دوائر هذه المحكمة، فلا يعدّ إسناد دعاوى معينة إلى دوائر المحكمة المختلفة – بقرار من جمعيتها العمومية – مسألة اختصاص نوعي، بل مجرد توزيع إداري للعمل بين تلك الدوائر، ولا يُستثنى من هذا الأصل إلا الحالات التي يفرد فيها القانون بنص خاص دائرة من دوائر المحكمة بالاختصاص بنظر مسائل معينة. وكان القانون رقم (22) لسنة 2006 بإصدار قانون الأسرة قد نصّ في مادته الثانية على أن: " تتولى الفصل في الدعاوى والمنازعات المتعلّقة بمسائل الأسرة والتركات دائرة أو أكثر بالمحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف تسمى دائرة الأسرة ..."، وتختص بذلك نوعياً بجميع النزاعات الخاصة بالأسرة والتركات ولا يشاركها في ذلك أحد، ولكنّ القانون لم يسلب هذه الدائرة الاختصاص بنظر ما عدا هذه المنازعات ممّا تختصّ به كإحدى دوائر المحكمة. لمّا كان ذلك، وكان الثابت أنّ النزاع الماثل كان يدور حول مطالبة الدّائنين بدين بذمّة التركة نشأ بعد وفاة المورّث بما لازمه أن تكون دائرة التركات مختصّة بنظره. وكان البيّن من أوراق الدعوى ومستنداتها ومدونات الحكم المطعون فيه أنّه سبق تعيين مصفٍ بالدعوى رقم .... لسنة 2016 وأنهى المصفي أعمال وإجراءات التصفية وجرد ما للتركة من حقوق وما عليها من ديون، وبتاريخ ../../2019 استُدخِلَ الطاعنون (الأول والثاني والثالث) أثناء نظر الدعوى [شركة ....] (الطاعنة الرابعة)، وانتقلت ملكيتها لهم بحسب التقويم الذي اعتمدته المحكمة. وكان الدين موضوع المطالبة مقيداً بميزانية الشركة المذكورة أخيراً بحسبان أنّه اعتمد لسداد نفقات التركة، ومع ذلك لم يسع الدائنون لقيد الدين بقائمة الجرد ولم يصدر أيّ بلاغ أو أية مطالبة أو منازعة في شأنه طيلة نظر دعوى تصفية تركة مورث الخصوم إلى أن صدر الحكم الاستئنافي رقم .... لسنة 2021 بتاريخ ../../2022 بتأييد الحكم رقم ...لسنة 2016 سابق الذكر بعد استئنافه من الخصوم، فليس للطاعنين بعد ذلك من مطالبة في مواجهة الورثة. إذ إنّ التصفية الجماعية تقطع السبيل على دائني التركة الذين علموا بالإجراءات ولم يتقدّموا في التصفية، وأنّ أيّ دعوى في ذلك مآلها الرفض، وكان على المحكمة أن تردّ الدفع بعدم الاختصاص، وتبحث موضوع الاستئناف، وتقضي أخيراً برفضه. وإذ قضى الحكم المطعون فيه بإلغاء الحكم المستأنف، والقضاء من جديد برفض الدعوى؛ فإنّه يكون قد انتهى إلى نتيجة صحيحة، ولا يعيبه ما اشتملت عليه أسبابه من تقريرات قانونية خاطئة، إذ لمحكمة التمييز أن تصحّح تلك التقريرات دون أن تميّزه؛ ومن ثمّ يضحى هذا النعي على غير أساسٍ.
|