|
جلسة 17-10-2023
الطعن رقم 860
لسنة 2023 تمييز مدني
المحكمة بعد الاطّلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرّر والمرافعة، وبعد المداولة.
حيث إنّ الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إنّ الوقائع – على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق – تتحصل في أنّ الطاعن أقام على المطعون ضدهم الدعوى رقم .... لسنة ٢٠٢١ [تجاري كلي]، بطلب إلزامهم بالتضامن بأن يؤدّوا له تعويضاً مقداره .... ريال شاملة لنسبة (١٠٪) من قيمة عقدي المقاولة، وتقديم شهادة ضمان للعقارين لمدة (١٠) سنوات؛ على سندٍ من أنّه بموجب عقدي مقاولة، بين الطاعن والشركة المطعون ضدها الأولى اتّفقا على أنّ قيام الشركة ببناء وتشييد عقارين، وقام بسداد كافة مستحقات الشركة فيما عدا مبلغ مقداره .... ريالاً إلا أنّ الشركة لم تقم بتسليم الأعمال في الموعد المتفق عليه؛ مما حدا به لإقامة الدعوى. قدّمت الشركة المطعون ضدها طلباً عارضاً بإلزام الطاعن بأن يؤدّي لها مبلغ مقداره ...... ريالاً باقي مستحقاتها، فضلاً عن التعويض. ندبت محكمة أول درجة خبيراً. وبعد أن أودع تقريره حكمت برفض الدعوى، وفي الطلب العارض بإلزام الطاعن بأن يؤدّي للشركة المطعون ضدها الأولى مبلغاً مقداره .... ريالاً. استأنف الطاعن ذلك الحكم بالاستئناف رقم .... لسنة ٢٠٢٢، وبتاريخ ../../٢٠٢٣ قضت المحكمة بتأييد الحكم المستأنف. طعن الطاعن في هذا الحكم بطريق التمييز. وإذ عُرض الطعن على هذه المحكمة في غرفة المشورة؛ فحُدّدت جلسة اليوم لنظره.
وحيث إنّ مما ينعاه الطاعن بأسباب الطعن على الحكم المطعون فيه، الخطأ في تطبيق القانون، والقصور في التسبيب؛ ذلك أنّه تمسّك في دفاعه بأنّه كان يقوم بسداد الدفعات المتفق عليها في المواعيد المتفق عليها بالعقدين المبرمين مع الشركة المطعون ضدها الأولى، ورغم ذلك فإنّها تأخّرت في تسليم الأعمال في الموعد المحدد، إلا أنّ الحكم الابتدائي المؤيّد بالحكم المطعون فيه تساند في قضائه إلى تقرير الخبير الذي انتهى إلى أنّ التأخير يعود للطرفين معاً مناصفةً، دون أن يبحث دفاعه؛ بما يعيبه، ويستوجب تمييزه.
وحيث إنّ هذا النعي في محلّه؛ ذلك أنّ مؤدّى المواد (256، 257، 263، 265) من القانون المدني أنّه يجوز للمتعاقدين أن يحدّدا مقدماً قيمة التعويض الواجب أداؤه عما قد ينجم من ضرر بسبب عدم تنفيذ التزام من الالتزامات المنصوص عليها في العقد المبرم بينهما، وتحديد التعويض الجابر للضرر عن التأخير في التنفيذ، وهذا التعويض الاتّفاقي - حكمه في ذلك حكم التعويض القضائي - لا يجوز القضاء به إلا إذا توافرت أركان المسؤولية من خطأ وضرر وعلاقة سببية طبقاً للقواعد العامة، قُصارى ما في الأمر أنّ الاتّفاق مقدّماً على قيمة التعويض عن الإخلال بالالتزام العقدي - تنفيذاً أو تأخيراً - يجعل الضرر واقعاً في تقدير المتعاقدين، فلا يكلّف الدائن بإثباته. وكذلك يسقط حق الدائن في التعويض فلا يكون مستحقاً له أصلاً، إذا انفرد بالخطأ أو استغرق خطؤه خطأ المدين فكان هو السبب المنتج للضرر، وكذلك فإنّه ليس من حقّ الدائن أن يقتضي تعويضاً كاملاً إذا كان قد أسهم بخطئه في وقوع الضرر، وثبت أنّه قصر هو الآخر في تنفيذ التزامه. وإذا أثبت المدين أنّ تقدير التعويض الاتّفاقي كان مبالغاً فيه إلى درجة كبيرة، أو أنّه نفّذ التزامه الأصلي في جزء منه؛ جاز للقاضي تخفيض التعويض بنسبة ما تمّ تنفيذه من هذا الالتزام. وكان من المقرّر – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة- أنّ تكييف الفعل المؤسّس عليه طلب التعويض بأنّه خطأ أو نفي هذا الوصف عنه؛ هو من المسائل القانونية التي يخضع قضاء محكمة الموضوع فيها لرقابة محكمة التمييز، وتمتدّ هذه الرقابة إلى تقدير الوقائع المؤدّية إلى استخلاص الخطأ منها والظروف التي كان لها أثر في تقدير الخطأ واستخلاصه. وأنّ من أصول إعمال محكمة الموضوع لسلطة تقدير عمل الخبير أن تستهلّ ذلك بالاطّلاع على الإجراءات التي اتّخذها الخبير ومحاضر أعماله وأقوال الخصوم وحججهم، وما قدّموه من مستندات، ثم تعمل رأيها لتقدير مؤدّى تلك الحجج والمستندات، وما قد تؤدّي إليه من نتائج واقعية وأثرها على موضوع الدعوى وأساسها القانوني، فإذا ما انتهت من كل ذلك ابتداءً؛ انتقلت لاحقاً إلى مطالعة التقرير وتقييم رأيه الفني المبدى فيه في حدود المأمورية المنوطة به؛ لتقف على مدى إتمام الخبير لعمله الفني المهني؛ لكي يتشكل وجدان القاضي، وتستقر قناعته، بأنّه قد ألمّ بالواقع المطروح، ومحّص كافة ما قدّم من أدلة وما أبداه الخصوم من دفاع، وتخلص من كل ذلك إلى حكم يكون موضوع احترام وطمأنينة للخصوم ويحمل بذاته آيات صحته وينطق بعدالته. وإذ كانت الغاية من ندب خبير في الدعوى هو الاستعانة برأيه في مسألة فنية لا يستطيع القاضي البتّ فيها؛ لازمه أن يباشر المأمورية خبير متخصّص في تلك المسألة لإبداء هذا الرأي الفني، وأن يباشر مهمته في حدود دوره المنوط به، القاصر على تحقيق الواقع في الدعوى وإبداء الرأي في المسائل الفنية التي يصعب على القاضي استقصاء كنهها بنفسه، فلا يتطرّق إلى المسائل القانونية، أو وصف الرابطة بين الخصوم أو إسباغ التكييف القانوني عليها، أو يتلبّس رداء القاضي بترجيح أقوال الخصوم والشهود، والأخذ بأحدها واطّراح غيرها، ولا يخول له دوره هذا آنف البيان القول بصحة مستند أو استبعاده أو ترجيح مستند على آخر، إلا إذا كان ذلك مردوداً لسبب علمي فني، أما إذا كان ذلك الترجيح أو الاستبعاد مردّه استنباط الخبير لدلالة المستند، أو مؤدّاه، أو أثره، فهذه مسألة قانونية بحتة، لا يجوز للخبير أن يتطرّق إليها ولا للمحكمة أن تنزل عنها، باعتبارها من صميم ولايتها، فتفسير سائر المحرّرات يخضع للسلطة التامة لمحكمة الموضوع بما تراه أوفى إلى نية عاقديها مستهديةً في ذلك بظروف الدعوى وملابساتها، وطبيعة التعامل وما ينبغي أن يتوافر من ثقة في المعاملات. فإذا بني تقرير الخبير على هذا الترجيح أو الاستبعاد نزولاً على تأويله لدلالة المستند القانونية أو الواقعية؛ أضحى عمله في هذا الخصوص باطلاً حابط الأثر، لا قيمة له لخلوه من العنصر الفني الذي استلزم ابتداء الالتجاء إليه، وامتنع على المحكمة بناء قضائها عليه، ووجب عليها أن تبيّن في مدوّنات حكمها ماهية استخلاصها للمستند ودلالته، بعد تمحيصه وتحقيق دفاع الطرفين في شأنه. لمّا كان ذلك، وكان الواقع في الدعوى أنّ العقدين المبرمين بين الطاعن والشركة المطعون ضدها الأولى المؤرخين 29، 30/12/2018 اتّفقا فيه بالبند السابع منهما على قيام الشركة بتشييد عقارين خلال عشرة أشهر وعشرة أيام من استلام الدفعة المقدّمة، وعلى أن يقوم صاحب العمل بسداد الدفعات المتتالية وفقاً لبرنامج التنفيذ الزمني خلال أسبوع من إخطاره بذلك، فإذا تجاوز السداد هذا الأسبوع، أضيفت مدة التأخير إلى مدة التنفيذ وفقاً للبندين (12، 13) من العقدين. وكان الطاعن قد تمسّك في دفاعه أمام محكمة الموضوع بأنّ الخبير المندوب في الدعوى انتهى إلى أنّ المدة اللازمة للأعمال الإضافية تقدّر بأربعين يوماً، وأنّ الشركة المطعون ضدها الأولى تأخّرت في تسليم الأعمال محل أحد العقدين لمدة (508) يوم، بما يوازي مبلغاً قدره .... ريال ، وبالعقد الآخر، لمدة (477) يوماً بما يوازي مبلغاً قدره .....ريال بنسبة (10%) من قيمة الأعمال لكل عقد، وأنّه قام بتنفيذ التزاماته بسداد كافة الدفعات في خلال الأسبوع المتفق عليه بالعقدين، إلا أنّ الحكم المطعون فيه قضى برفض طلبه بالتعويض الاتّفاقي عن التأخير في تسليم الأعمال؛ استناداً إلى ما أورده الخبير من اعتبار التأخير مردّه الطرفان معاً مناصفةً؛ لتأخّر الطاعن عن سداد بعض الدفعات في المواعيد، رغم أنّها مسألة قانونية تتعلّق بتفسير بنود العقدين موضوع الدعوى وتطبيقه، توجب على المحكمة الوقوف بنفسها على ما إذا كان الطاعن قد قام بالسداد في خلال الأسبوع المتفق عليه بالعقد من عدمه، ومقدار التأخّر في السداد إن كان، وما إذا كان هذا التأخّر في السداد استغرق خطأ الشركة المطعون ضدها في تنفيذ التزاماتها بالتسليم في المواعيد المتفق عليها من عدمه، أم كان مجرد مساهمة فقط فيها، ومدى ومقدار هذه المساهمة، إلا أنّ الحكم المطعون فيه تخلّى عن دوره القضائي المنوط به، وساير تقرير الخبير في استخلاصه المتجاوز لحدود مأموريته الفنية؛ فشابه القصور في التسبيب الذي جرّه للخطأ في تطبيق القانون.
|