جلسة 31-10-2023
الطعن رقم 1178
لسنة 2023 محكمة التمييز المواد المدنية والتجارية
المحكمة بعد الاطّلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرّر والمرافعة، وبعد المداولة.
حيث إنّ الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إنّ الوقائع - على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق - تتحصّل في أنّ الطاعن أقام على المطعون ضدهم الدعوى رقم ..... لسنة 2021 مدني. ابتدائي. بطلب الحكم بإلزام المطعون ضدهم الأولى والثالث والرابع متضامنين بأن يؤدّوا له تعويضاً جابراً لكافة الأضرار المادية والمعنوية التي حاقت به، وبإلزام المطعون ضده الثاني بردّ مبلغ وقدره .... ريال، والذي يمثل قيمة الأسهم التي كانت مملوكة له، وبندب خبير حسابي؛ على سندٍ من أنّه كان شريكاً في الشركة المطعون ضدها الأولى بنسبة (51%) من تاريخ ../../2010 حتى تاريخ بيع حصته في ../../2015 للمطعون ضده الثالث، وقد ورد في البند الرابع من عقد البيع الاتّفاق على انتفاء مسؤوليته عن أية التزامات سابقة أو لاحقة على الشركة. وبتاريخ ../../2018 حصل البنك المطعون ضده الثاني على حكم بإلزام الشركة والشركاء فيها بأن يؤدّوا له مبلغ .... ريال، والناتج عن القرض الممنوح منه للشركة. ونفاذاً لهذا الحكم قام البنك ببيع أسهم مملوكة له والبالغ قيمتها .... ريال رغم أنّه سبق وأن باع حصته، بما يُعدّ البنك بذلك قد أثرى على حسابه دون سبب قانوني، وهو ما أصابه أيضاً بأضرار مادية وأدبية من جراء ذلك يُطالب عنها بالتعويض؛ مما حدا به إلى إقامة الدعوى، كما أقام المطعون ضده الثالث دعوى فرعية بطلب الحكم بفسخ عقد بيع حصة الطاعن في الشركة المطعون ضدها الأولى له، وبإلزام الطاعن والمطعون ضده الرابع بأن يؤدّيا له مبلغ .... ريال تعويضاً عن الأضرار المادية والمعنوية التي أصابته. ندبت المحكمة خبيراً. وبعد أن أودع تقريره؛ حكمت بتاريخ ../../2022 في الدعوى الأصلية بعدم قبولها لرفعها على غير ذي صفةٍ، بالنسبة للبنك المطعون ضده الثاني، وبإلزام المطعون ضدهم الأولى والثالث والرابع بأن يؤدّوا للطاعن بالتضامم فيما بينهم مبلغاً قدره .... ريال، ورفضت ما عدا ذلك من طلبات، وفي الدعوى الفرعية برفضها. استأنف المطعون ضده الثالث هذا الحكم بالاستئناف رقم .... لسنة 2022، كما استأنفه الطاعن بالاستئناف رقم ..... لسنة 2022، وبعد أن ضمّت المحكمة الاستئناف الثاني للأول للارتباط؛ قضت بتاريخ ../../2023 في موضوع الاستئنافين بإلغاء الحكم المستأنف بالنسبة لما قضى به من تضامن في مواجهة المطعون ضده الثالث، وبتأييده بالتضامن في مواجهة المطعون ضدهما الأولى والرابع في المبلغ المحكوم به، وبرفض باقي الطلبات، وبتأييده فيما عدا ذلك. طعن الطاعن في هذا الحكم بطريق التمييز. وإذ عُرض الطعن على هذه المحكمة في غرفة المشورة؛ فحُدّدت جلسة لنظره.
وحيث إنّ الطعن أقيم على سبب وحيد من خمسة أوجه، ينعى الطاعن بالوجهين الأول والثاني منهم على الحكم المطعون فيه، الخطأ في تطبيق القانون؛ وفي بيانهما يقول: إنّ الحكم الابتدائي المؤيّد بالحكم المطعون فيه قضى بعدم أحقيته في مبلغ .... ريال من المبلغ المُطالب به؛ على سندٍ من أنّ المطعون ضده الرابع أقرّ بأنه اقتسم مبلغ ..... ريال مع الطاعن من مبلغ القرض الذي تحصّلت عليه الشركة المطعون ضدها الأولى، رغم أنّ المطعون ضدهم لم يُثبتوا هذه الواقعة؛ وهو ما يعيبه، ويستوجب تمييزه.
وحيث إنّ هذا النعي سديد؛ ذلك أنّه من المقرّر - في قضاء هذه المحكمة - أنّ النصّ في المادة (303) من قانون المرافعات على أنّ: " الإقرار حجة قاطعة على المقرّ وقاصرة عليه، ولا يتجزأ الإقرار على صاحبه، فلا يؤخذ منه الضار به ويترك الصالح له، بل يؤخذ جملة واحدة، ومع ذلك يتجزأ الإقرار إذا انصبّ على وقائع متعددة، وكان وجود واقعة منها لا يستلزم حتماً وجود الوقائع الأخرى ... "؛ يدلّ على أنّ الإقرار القضائي متى صدر من خصم أمام المحكمة مستوفياً شرائطه وأركانه؛ فإنّه يُعد حجة قاطعة على صاحبه، ويجب على القاضي الاكتفاء به والاعتداد بأثره في خصوص الواقعة محل الإقرار. والأصل أنّه ما دام الإقرار بسيطاً أو تاماً ينطوي على اعتراف بكل الحق المدعى به وبملحقاته إن وجدت، أو كان هذا الإقرار بالواقعة المدعى بها موصوفاً؛ فلا يجوز تجزئة هذا الإقرار باطّراح ما ينفع المقر، والأخذ به فيما يضره، وإلا كان ذلك مناهضاً لقواعد العدالة، بيد أنّه إذا تضمّن الإقرار القضائي، الاعتراف بالواقعة المدعى بها غير معدلة أو موصوفة، وإنما مصحوبة بواقعة أخرى؛ فإنّه يتعيّن التفرقة بين ما إذا كانت هذه الواقعة الأخرى تؤثر على كيانها ووجودها القانوني كالاعتراف بالدين والوفاء به أو الإبراء منه، فلا يجوز في هذه الحالة تجزئة الإقرار، وإنما يجوز لخصمه إثبات عدم صحة الواقعة الأخرى، وبين حالة ما إذا كانت الواقعة أو الوقائع الأخرى غير مرتبطة بالواقعة الأصلية، ومنبتّة الصلة عنها، بحيث إنّ حصولها من عدمه لا ينبني عليه بالضرورة والحتم وجود الواقعة الأولى وقيامها، فتعدّدت الوقائع التي تضمنها الإقرار القضائي؛ فيكون للقاضي في هذه الحالة الأخيرة تجزئة الإقرار، واعتباره حجة في شأن الواقعة الأصلية، دون أن يتقيّد به في باقي الوقائع التي تضمنها الإقرار، فتظلّ قابلة للإثبات والنفي بالطرق والوسائل التي كفلها القانون للخصوم. لمّا كان ذلك، وكان الثابت من الأوراق أنّ المطعون ضده الرابع قد أقرّ بأنّ الشركة المطعون ضدها الأولى تحصّلت على قرض من البنك المطعون ضده الثاني بمبلغ مليون ريال، وأنّ المطعون ضده الثالث لم يكن على علم بهذه المديونية، وأنّه تمّ صرف مبلغ .... ريال في سداد التزامات الشركة، وهي عين الواقعة المدعى بها في الدعوى الراهنة، إلا أنّه صحب هذا الإقرار بواقعة أخرى منبتّة الصلة عنها، وهي وجود اتّفاق مسبق بينه وبين الطاعن على اقتسام مبلغ .... ريال المتبقي من هذا القرض، رغم أنّ هذا الاتّفاق لا يعدو إلا واقعة أخرى منبتّة الصلة عن الواقعة الأصلية، إلا أنّ الحكم الابتدائي المؤيّد بالحكم المطعون فيه لم يفطن لانفصال الواقعتين عن بعضهما، وأخذ بالإقرار جملة واحدة، وقضى بعدم أحقية الطاعن في مبلغ .... ريال من المبلغ المُطالب به بناءً على هذا الإقرار، رغم أنّ أياً من المطعون ضدهم لم يُثبت هذه الواقعة؛ وهو ما يعيبه بالقصور في التسبيب الذي جرّه إلى الخطأ في تطبيق القانون؛ بما يوجب تمييزه جزئياً في هذا الخصوص.
وحيث إنّ الطاعن ينعى بالوجه الثالث من سبب الطعن على الحكم المطعون فيه، الخطأ في تطبيق القانون؛ وفي بيانه يقول: إنّ المطعون ضده الثالث باعتباره مديراً مسؤولاً في الشركة المطعون ضدها الأولى يُسأل عن خطئه الجسيم في عدم سداد مبلغ القرض الذي تحصّلت عليه من البنك المطعون ضده الثاني، إلا أنّ الحكم المطعون فيه اعتبره غير مسؤول عن أداء المبلغ المُطالب به باعتباره مديراً مسؤولاً في الشركة دون بحث عناصر المسؤولية التقصيرية في جانبه؛ وهو ما يعيبه، ويستوجب تمييزه.
وحيث إنّ هذا النعي مردود؛ ذلك أنّ النصّ في المادة (229) من قانون الشركات التجارية الصادر بالقانون رقم (11) لسنة 2015 على أنّه: " يكون للشركة ذات المسؤولية المحدودة اسم يؤخذ من غرضها أو من اسم واحد أو أكثر من الشركاء ...، ويجب أن يضاف إلى اسم الشركة عبارة (شركة ذات مسؤولية محدودة)، فإذا أهمل المديرون مراعاة الحكم المذكور كانوا مسؤولين في أموالهم الخاصة وبالتضامن عن التزامات الشركة، فضلاً عن التعويضات ... "، والنصّ في المادة (298) من القانون ذاته على أنّه: " إذا بلغت خسائر الشركة ذات المسؤولية المحدودة نصف رأس المال، وجب على المديرين خلال ثلاثين يوماً من بلوغ الخسارة هذا الحدّ أن يعرضوا على الجمعية العمومية أمر تغطية رأس المال أو حلّ الشركة، ويشترط لصدور قرار الحلّ توفّر الأغلبية اللازمة لتعديل عقد الشركة، وإذا أهمل المديرون دعوة الشركاء، أو إذا تعذّر على الشركاء الوصول إلى قرار في هذا الموضوع؛ كان المديرون أو الشركاء بحسب الأحوال مسؤولين بالتضامن عن التزامات الشركة الناتجة عن إهمالهم ... "؛ يدلّ على أنّ المشرّع نظّم مسؤولية المديرين في الشركات ذات المسؤولية المحدودة في حالتين. أولهما: إذا أهملوا إضافة عبارة (شركة ذات مسؤولية محدودة) إلى اسم الشركة في تعاملاتها مع الغير. وثانيهما: إذا بلغت خسائر الشركة نصف رأسمالها ولم يتخذوا الإجراءات الواجبة الاتّباع التي قرّرها المشرّع في نصّ المادة (298) من القانون المارّ ذكره. لمّا كان ذلك، وكان الثابت من الأوراق أنّ المطعون ضده الثالث مدير مسؤول في الشركة المطعون ضدها الأولى، إلا أنّه لا يُسأل عن ديونها باعتبارها شركة ذات مسؤولية محدودة في أمواله الخاصة لعدم توافر أي من الحالتين المشار إليهما في جانبه. وإذ وافق الحكم المطعون فيه هذا النظر فإنّ النعي عليه بهذا الوجه في هذا الخصوص؛ يضحى على غير أساسٍ.
وحيث إنّ الطاعن ينعى بالوجه الرابع من سبب الطعن على الحكم المطعون فيه، الفساد في الاستدلال، والقصور في التسبيب؛ وفي بيانه يقول: إنّ الحكم الابتدائي المؤيّد بالحكم المطعون فيه قضى بعدم قبول الدعوى قبل البنك المطعون ضده الثاني لرفعها على غير ذي صفة، رغم أنّه تحصّل على أموال الطاعن من بيع الأسهم المملوكة له تنفيذاً للحكم الصادر لصالحه على الشركة المطعون ضدها الأولى، في حين أنّ الطاعن لم يعد شريكاً في تلك الشركة لتنازله عن حصته، بما تتوافر معه الصفة في اختصام البنك في الدعوى؛ وهو ما يعيبه، ويستوجب تمييزه.
وحيث إنّ هذا النعي غير مقبول؛ ذلك أنّه من المقرّر ـــ في قضاء هذه المحكمة ـــ أنّ استخلاص توافر الصفة في الدعوى هو من قبيل فهم الواقع فيها، وهو ما يستقلّ به قاضي الموضوع، وحسبه أن يتبين الحقيقة التي اقتنع بها، وأن يقيم قضاءه بشأنها على أسباب سائغة تكفي لحمله. لمّا كان ذلك، وكان البيّن من مدوّنات الحكم الابتدائي المؤيّد بالحكم المطعون فيه أنه أقام قضاءه بعدم قبول الدعوى قبل البنك المطعون ضده الثاني لرفعها على غير ذي صفةٍ، على ما استخلصه من أوراق الدعوى من أنّه دائن للشركة المطعون ضدها الأولى بأقساط قرض غير مُسددة، وأنّه مارس حقه في التقاضي لاستيفاء حقوقه المشروعة ضدها وضد الطاعن باعتباره كفيلاً وضامناً في سداد القرض الذي تحصّلت عليه منه، وأنّه يعتبر من الغير بالنسبة لعقد بيع الحصص المبرم بين الطاعن والمطعون ضده الثالث، وهو يعدّ من الحكم استخلاصاً سائغاً، له معينه من الأوراق، ويؤدّي إلى النتيجة التي انتهى إليها؛ فيضحى النعي عليه في هذا الخصوص لا يعدو أن يكون جدلاً في سلطة محكمة الموضوع في فهم الواقع في الدعوى واستخلاص توافر صفة الخصوم فيها، وهو ما لا يجوز إثارته أمام محكمة التمييز؛ ومن ثم يكون النعي عليه بهذا الوجه غير مقبول.
وحيث إنّ الطاعن ينعى بالوجه الخامس من سبب الطعن على الحكم المطعون فيه، القصور في التسبيب، والخطأ في تطبيق القانون؛ وفي بيانه يقول: إنّ الحكم الابتدائي المؤيّد بالحكم المطعون فيه قضى بتقدير التعويض المستحق له بمبلغ .... ريال، وهو لا يتناسب مع قيمة الأضرار التي لحقت به من جراء بيع الأسهم المملوكة له بغير حق تنفيذاً للحكم الصادر على الشركة المطعون ضدها الأولى؛ ممّا يعيبه، ويستوجب تمييزه.
وحيث إنّ هذا النعي غير مقبول؛ ذلك أنّه من المقرّر ـــ في قضاء هذه المحكمة ـــ أنّ تقدير التعويض متى قامت أسبابه من سلطة قاضي الموضوع دون معقب. لمّا كان ذلك، وكان الحكم الابتدائي المؤيّد بالحكم المطعون فيه قد خلص إلى تقدير التعويض الجابر للضرر الذي أصاب الطاعن بالمبلغ المقضي به، وذلك وفق سلطته التقديرية في هذا الشأن. فإنّ النعي عليه في شأن هذا التقدير؛ يكون جدلاً موضوعياً لا يجوز إثارته أمام محكمة التمييز، ومن ثم يضحى النعي عليه بهذا الوجه غير مقبول.
|